عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

34

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

بين يديه قال للزاهد : كل فأكل حتى شبع ثم قال : يا إلهي كنت قادرا أن تطعمني هذا الطعام بغير تهمة السرقة والسجن فهتف به هاتف : من طلب الجيف فليصبر على عض الكلاب ، وإذا بقائل يقول : قد وجدنا اللص فأطلقوا الغريب . وقيل للشافعي رضي اللّه عنه : ما لك لا تدع إمساك العصا ؟ فقال حتى أذكر أني مسافر . ( فائدة ) قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : التوكؤ على العصا من أخلاق الأنبياء ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يتوكأ عليها ويأمر بالاتكاء عليها . وعنه صلّى اللّه عليه وسلّم : « العصا علامة المؤمن وسنة الأنبياء ومن خرج في سفر ومعه عصا من لوز فقد أمنه اللّه من كل سبع ضار ولص عاد ومن كل ذات حمة حتى يرجع إلى أهله ومنزله وكان معه سبعة وسبعون من المعقبات يستغفرون له حتى يرجع ويضعها » ذكره العلائي . والمعقبات هم الملائكة . وقال البرماوي ذات حمة بضم المهملة أي ذات سم كالحية والعقرب . وقال الحسن البصري رضي اللّه عنه : للعكاز ثمان خصال : سنة الأنبياء وزينة الصلحاء وسلاح على الأعداء وعون للضعفاء ويهرب من صاحبها الشيطان ويخشع منها الفاجر وتكون لصاحبها قبلة وقوة إذا أعيا . وعنه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من بلغ أربعين ولم يأخذ العصا عد له من الكبر والعجب » . فصل في القناعة قال اللّه تعالى : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 13 ) [ الانفطار : 13 ] أي في قناعة وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ( 14 ) [ الانفطار : 14 ] أي في طمع . وقال تعالى : مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [ النحل : 97 ] قال في الرسالة القشيرية : قال كثير من المفسرين : والمراد بالحياة الطيبة في الدنيا هي القناعة . وقيل قوله تعالى : وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ( 81 ) [ الشعراء : 81 ] أي يميتني بالطمع ويحييني بالقناعة . وقال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه في قوله تعالى : لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً [ النمل : 21 ] أي لألبسنه ثوب الطمع ولأحرمنه ثوب القناعة . ( لطيفة ) قال في الرسالة القشيرية : لما مر موسى عليه السلام بالجدار وأقامه الخضر قال له موسى : لو شئت لاتخذت عليه أجرا فلما خرجا من القرية دعا الخضر ظبيا فوقف بينهما فصار الجانب الذي يلي الخضر لحما مشويا والجانب الذي يلي موسى لحما طريا فسأله موسى عن ذلك فقال : لأنك طمعت وأنا قنعت . وقال في العقائق : جاءهما من الهواء طبقان على أحدهما خبز وسمك مشوي وعلى الآخر سمك طري فوقع السمك المشوي بين يدي الخضر والسمك الطري بين يدي موسى فتبسم الخضر وقال : أنا صبرت وأنت لم تصبر . وقيل جاءهما غزال وانشق نصفين فالنصف الذي يلي الخضر صار لحما مشويا والنصف الذي يلي موسى صار لحما طريا فتكلف موسى بالنار والحطب حتى أصلحه وأكله والقرية هي أنطاكية والجدار كان طوله مائتين وخمسين ذراعا وعرضه سبعمائة ذراع وكان قد مال على طريق الناس فرفعه الخضر بساعده فساعده موسى في ذلك فاستوى كما كان .